العيني
268
عمدة القاري
الأصل في الاستثناء ، ويستدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه اتمامه ، وبقوله تعالى : * ( ولا تبطلوا أعمالكم ) * ( محمد : 33 ) وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع . ولما حملت الشافعية على الانقطاع قالوا : لا تلزم النوافل بالشروع ، ولكن يستحب له إتمامه ، ولا يجب بل يجوز قطعه . وقال الطيبي : الحديث متمسك لنا في أصلين : أحدهما في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث ، كعدم وجوب الوتر . والثاني : في أن الشروع غير ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر مطلقا شرع فيه أو لم يشرع ، وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر إلاَّ ما تطوع به ، والاستثناء من النفي إثبات ، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به ، وهو المطلوب . قال : وهذا مغالطة ، لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى : * ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) * ( الدخان : 56 ) أي : لا يجب شيء إلاَّ أن اتطوع ، وقد علم أن التطوع ليس بواجب ، فلا يجب شيء آخر أصلاً . قلت : أما الأول : فلا نسلم شمول عدم الوجوب مطلقا ، بل الشمول بالنظر إلى تلك الحالة ، ووقت الإخبار ، والوتر لم يكن واجبا حينئذ ، يدل عليه أنه لم يذكر الحج والوتر مثله . وأما الثاني : فليس من وادي قوله تعالى : * ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) * ( الدخان : 56 ) على أن يكون المعنى : لا يجب شيء ، إلاَّ أن تطوع ، بل معنى إلاَّ أن تطوع : أن تشرع فيه ، فيصير واجبا كما يصير واجبا بالنذر . وقال بعضهم : من قال : إنه منقطع احتاج إلى دليل ، والدليل عليه ما روى النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر ، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة . بعد أن شرعت فيه ، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إلاَّ إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم ، وبالقياس في الباقي . قلت : من العجب أن هذا القائل كيف لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة بالإتمام ، وعلى القضاء بالإفساد ، وقد روى أحمد في مسنده ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : أصبحت أنا وحفصة صائمتين ، فأهديت لنا شاة فأكلنا منها ، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال : ( صوما يوما مكانه ) . وفي لفظ آخر : بدلاً ، أمر بالقضاء . والأمر للوجوب ، فدل على أن الشروع ملزوم ، وأن القضاء بالإفساد واجب . وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يوما تطوعا فأفطرت ، فأمرها النبي ، عليه السلام ، أن تقضي يوما مكانه ، وحديث النسائي لا يدل على أنه ، عليه السلام ، ترك القضاء بعد الإفطار ، وإفطاره ربما كان عن عذر . وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار : كالضيافة ، وكل ما جاء من أحاديث هذا الباب فمحمول على مثل هذا ، ولو وقع التعارض بين الأخبار ، فالترجيح معناه لثلاثة أوجه : أحدها إجماع الصحابة ، والثاني : أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نافية ، والمثبت مقدم . والثالث : أنه احتياط في العبادة فافهم . قوله : ( وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة ) هذا قول الراوي ، كأنه نسي ما نص عليه رسول الله والتبس عليه ، فقال : وذكر له الزكاة ، وفي رواية أبي داود : وذكر له ، عليه السلام ، الصدقة . والمراد منها : الزكاة أيضا ، كما في قوله تعالى : * ( إنما الصدقات للفقراء ) * ( التوبة : 60 ) وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية ، فإذا التبس عليه يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه ، كما فعل الراوي ههنا ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال : ( فأخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ) . قال : فأخبر رسول الله ، عليه الصلاة والسلام بشرائع الإسلام . قوله : ( والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ) ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر : ( والذي أكرمك ) أي : لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئا . قوله : ( أفلح إن صدق ) وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند مسلم : ( أفلح وأبيه إن صدق ، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق ) . ولأبي داود مثله ، لكن بحذف : أو . وقال النووي : قيل : الفلاح راجع إلى لفظ : ولا أنقص خاصة ، والمختار أنه راجع إليهما بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا ، لأنه أتى بما عليه ، ومن أتى بما عليه كان مفلحا ، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا ، لأن هذا مما يعرف بالضرورة ، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى ، وقال ابن بطال : دل قوله : أفلح إن صدق على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح ، وهذا خلاف قول المرجئة . ويقال : يحتمل أن يكون السائل رسولاً ، فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ، ولا أنقص في تبليغ ما سمعته منك إلى قومي . ويقال : يحتمل صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول ، أي : قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال ، ولا نقصان فيه من طرق القبول . ويقال : يحتمل أن هذا كان قبل شرعية أمر آخر ، ويقال : يحتمل أنه أراد : لا أزيد عليه بتغيير حقيقته ، كأنه قال : لا أصلي الظهر خمسا . ويقال : يحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض ، وهذا مفلح بلا شك ، وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومة . ويقال : يحتمل أنه المراد أني لا أزيد على